عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
452
اللباب في علوم الكتاب
وقال الأوزاعي : يتصدّق إن ترك حصاة ، وقال الثّوري : يطعم في الحصاة والحصاتين والثلاث ، فإن ترك أربعا فعليه دم ، وقال اللّيث : في الحصاة الواحدة دم ، نقله القرطبي . فصل [ في متعلق قوله : « لمن اتّقى » ] قال القرطبي - رحمه اللّه تعالى - : من بقي في يده حصاة لا يدري من أيّ الجمار هي ، جعلها في الأولى ورمى بعدها الوسطى والآخرة ، فإن طال ، استأنف جميعا . قوله : « لمن اتّقى » هذا الجارّ خبر مبتدأ محذوف ، واختلفوا في ذلك المبتدأ حسب اختلافهم في تعلّق هذا الجار من جهة المعنى ، لا الصناعة ، فقيل : يتعلّق من جهة المعنى بقوله : « فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ » فتقدّر له ما يليق به ، أي : انتفاء الإثم لمن اتّقى ، وقيل : متعلّق بقوله : « واذكروا » أي : الذكر لمن اتقى ، وقيل : متعلّق بقوله : « غَفُورٌ رَحِيمٌ » ، أي : المغفرة لمن اتّقى ، وقيل : التقدير : السلامة لمن اتّقى ، وقيل : التقدير : ذلك التخيير ونفي الإثم عن المستعجل والمتأخّر ؛ لأجل الحاجّ المتّقي ؛ لئلّا يتخالج في قلبه شيء منهما ، فيحسب أنّ أحدهما يرهق صاحبه إثما في الإقدام عليه ؛ لأنّ ذا التقوى حذر متحرز من كل ما يريبه ، وقيل : التقدير : ذلك الذي مرّ ذكره من أحكام الحج وغيره لمن اتقى ؛ لأنه هو المنتفع به دون غيره ، كقوله : ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ [ الروم : 38 ] ، قال هذين التقديرين الزمخشريّ ، وقال أبو البقاء « 1 » : « تقديره : جواز التعجيل والتأخير لمن اتقى » ، وكلّها متقاربة ، ويجوز أن يكون « لِمَنِ اتَّقى » * في محلّ نصب على أن اللام لام التعليل ، ويتعلّق بقوله « فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ » أي : انتفى الإثم ؛ لأجل المتّقي ، ومفعول : « اتّقى » محذوف ، أي : اتّقى اللّه ، وقد جاء مصرّحا به في مصحف عبد اللّه ، وقيل : اتّقى الصّيد . فصل [ في وجوه التقوى ] في هذه التّقوى وجوه : أحدها : قال أبو العالية « 2 » : ذهب أئمة أن « اتّقى » فيما بقي من عمره ، ولا يتّكل على ما سلف من أعمال الحجّ . وثانيها : أنّ هذه المغفرة لا تحصل إلّا لمن كان متّقيا قبل حجّة ؛ كقوله : إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [ المائدة : 27 ] ؛ لأن المصرّ على الذّنب لا ينفعه حجّه ، وإن كان قد أدّى الفرض في الظّاهر . وثالثها : أنّه المتّقي عن جميع المحظورات حال اشتغاله بالحجّ ؛ لقوله عليه السّلام : « من حجّ فلم يرفث ولم يفسق . . . » .
--> ( 1 ) ينظر : الإملاء 1 / 88 . ( 2 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 179 .